
قراءة في سر المعاناة
في زحمة أيامنا المُثقلة بالأخبار القاسية، نقف كثيراً أمام شاشات التلفاز أو في أروقة المستشفيات، أو حتى في غرفنا المغلقة، نراقب عالماً يئن تحت وطأة الحروب، والمرض، والفقدان المفاجئ. حينها، ينسحب العقل ببطء ليترك الساحة لسؤال وجودي يطرق أبواب السماء بشدة: إذا كان الله كلي الصلاح وكلي القدرة، فلماذا يترك الشر يعربد في الأرض؟ ولماذا يتألم الأبرياء؟
هذه المعضلة، التي عُرفت لاهوتياً بـ “مشكلة الشر” (Theodicy)، ليست مجرد ترفٍ فكري يناقشه الفلاسفة، بل هي جرح يومي ينزف في قلب كل إنسان. إنها قلقنا الوجودي حين نرفع أيدينا بالصلاة وسط العواصف، فلا نسمع سوى صدى أصواتنا. حينها، يبدو الله وكأنه “صامت”.
لغز الصمت الإلهي
عندما يضرب الألم بيوتنا، ننتظر تدخلاً درامياً يشق السماء وينقذ الموقف. ولكن غالباً ما نواجه صمتاً ثقيلاً. هذا الصمت ليس غريباً عن الكتاب المقدس؛ بل هو جزء أصيل من رحلة الإيمان. لقد صرخ داود النبي قديماً بنفس الحيرة الممزوجة باللوعة، قائلاً: “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟ إِلهِي، فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلاَ تَسْتَجِيبُ، فِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلاَ هُدُوءَ لِي” (مزمور 22: 1-2).
إن الله لا يغضب من تساؤلاتنا ولا يدين حيرتنا، بل سجلها في كلمته المقدسة ليعلمنا أن الصراخ إليه في وقت الألم هو في صميمه فعل إيمان. المؤمن الحقيقي هو من يجرؤ على عتاب الله، لأنه يؤمن في أعماقه بأن هناك إلهاً يسمع، حتى وإن تأخرت الإجابة.
بين القدرة والصلاح: أين الله في الألم؟
إذا كان الله قادراً أن يوقف الحروب والأوبئة، فلماذا لا يفعل؟ هنا يقف الإيمان البشري عاجزاً عن إدراك اللوحة الكاملة. نحن نرى خيوطاً متشابكة ومعقدة من الخلف، بينما الله ينسج نسيجاً متكاملاً لا نراه الآن. يذكرنا الوحي الإلهي بضيق أفقنا البشري أمام حكمة الخالق:
“لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ” (إشعياء 55: 8-9).
إن غياب التفسير المنطقي للألم في لحظته لا يعني غياب المعنى. فالحرية التي منحها الله للإنسان – والتي أساء الإنسان استخدامها فجلب الشر إلى العالم – هي نفسها التي تجعل الحب الحقيقي ممكناً. الله لم يخلق الشر، ولكنه يسمح بوجوده مؤقتاً في عالم ساقط، لأنه في صلاحه المطلق قادر أن يخرج من الجافي حلاوة، ومن الموت حياة.
الرفيق المتألم: عزاء الصليب
إن أروع ما يقدمه الإيمان المسيحي في مواجهة صمت الله، هو أن الله لم يقف في شرفات السماء البعيدة ليتفرج على مأساتنا ويقدم لنا مواعظ عن الصبر. بل نزل إلينا، ولبس جسدنا، واختبر أقصى درجات الظلم والشر والألم.
على الصليب، اختبر المسيح نفسه صمت الآب. لذلك، عندما نبكي في المستشفيات أو نقف أمام قبور أحبائنا، نحن لا نعبد إلهاً غريباً عن دموعنا. بل نعبد “رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ”. هو لا يقدم لنا دائماً إجابات فلسفية عن سبب الألم، بل يقدم لنا “حضوره” في وسط الألم.
“قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ” (مزمور 34: 18).
إن الجواب الإلهي على مشكلة الألم لم يكن نصاً مكتوباً، بل كان “حضوراً” مجسداً. صمته لا يعني غيابه، بل ربما يعني أنه يعمل في العمق، في الأماكن التي لا تراها العيون، ليصوغ فينا أمراً أعظم وأبقى.
النظرة الممتدة: فجر ما بعد المعاناة
الموازنة بين صلاح الله وواقع المعاناة لا يمكن أن تكتمل دون النظر إلى الأبدية. لو كانت هذه الحياة هي كل ما نملك، لكان الألم عبثاً وظلماً محضاً. لكن وعود الله تؤكد لنا أن قصة الإنسانية لا تنتهي عند سطر الألم. ما نمر به اليوم هو مجرد مخاض لحياة لا تُفنى.
“فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا” (رومية 8: 18).
إن صمت الله اليوم هو صمت الانتظار، لا صمت العجز. سيأتي اليوم الذي يُكسر فيه هذا الصمت، ليس بكلمات، بل بعمل إلهي نهائي يمسح فيه كل أثر للشر والمرض والفقدان. هناك، حيث ينتهي مسرح الزمان، سنرى كيف كانت يده الحنونة تقودنا في أشد لحظاتنا ظلمة.
وللقارئ المُتعب، الذي أرهقته صلوات بلا إجابات واضحة، أترك لك هذا الوعد الإلهي العظيم الذي يمثل الخاتمة المُعزية لكل آلام البشرية:
“وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ” (رؤيا يوحنا 21: 4).
تمسك بهذا الوعد. إن صمت اليوم سيعقبه ترنيمة فرح لا تنتهي، وإن الآلام التي لا نفهمها الآن، ستذوب في نور محبته الأبدية.
