
يسعى الإنسان، منذ أن وطئت قدماه هذه الأرض، إلى مساحة من السلام الكامل والشامل في عيشه. على مر الأجيال والعصور، بحّت أصوات البشر وهي تنادي في صخب الميادين وعلى منصات السياسة: “سلام… سلام”، في الوقت الذي لم تكن فيه الأرض تعرف للسلام طعماً. وحين أطل القرن العشرون، استقبله العالم بالترحاب والتهليل، ولقبوه تفاؤلاً بـ “عصر الإيمان والعقل”، وظن المتفائلون آنذاك أن قطار الحروب قد توقف إلى الأبد، مستندين إلى أن أبناء ذلك الجيل أصبحوا أكثر تحضراً وتمسكاً بمبادئ الإنسانية. لكن هذا التفاؤل البشري واجه خيبة قاسية وسرعان ما انهار؛ فلم تمضِ بضع سنوات حتى تفجرت نيران الحرب العالمية الأولى لتلتهم ملايين الأرواح وتترك العالم في ذهول. وعندما وضعت الحرب أوزارها عام 1918، عاد الناس ليتشبثوا بوهم جديد، فأسسوا عصبة الأمم، ووقعت الدول المعاهدات الدولية لحظر الحروب، ظناً منهم أن الورق والعهود البشرية قادرة على كبح جماح الشر في قلب الإنسان.
غير أن هذا السراب المضلل لم يدم طويلاً، فتمت مراجعة العهود بالدبابات، وانفجرت الحرب العالمية الثانية لتقضي على ما تبقى من أمل. ومن بين رماد عصبة الأمم المنهارة، برزت منظمة هيئة الأمم المتحدة، ووصفها مؤسسوها بأنها “الأمل الأخير العظيم” لإحلال السلام على كوكبنا. واليوم، ونحن نعيش في عالمنا المعاصر، ندرك تماماً أن هذه المنظمات لم تكن سوى حلقة أخرى في سلسلة الضلالات الكبرى والسراب الذي انخدعت به البشرية منذ فجر التاريخ. فمنذ تأسيسها وحتى اللحظة، والحروب لا تتوقف، وشرقنا العربي ينزف من صراع إلى صراع، والعالم بأسره يتدهور من أزمة معقدة إلى أخرى أشد قسوة وغموضاً، ليعلن الواقع بمرارة: إن الأرض بأسرها، بكل منظماتها وجيوشها، عاجزة تماماً عن منح الإنسان سلاماً حقيقياً أو صياغة خطة واحدة تنزع الخوف من القلوب.
أين السلام إذن؟
إن الجواب الحقيقي والوحيد لا يكمن في أروقة الأمم المتحدة، ولا في طاولات المفاوضات السياسية، بل هو شخصٌ حي؛ إنه موجود في “رئيس السلام”، الرب يسوع المسيح. كل من يتخذه مخلصاً وسيداً على حياته، يختبر ولادة سلام داخلي عجيب، سلام فائق لا تحكمه الظروف، ولا تنزعه حروب العالم أو اضطراباته. إنه السلام الذي يمنحك الطمأنينة والهدوء وسط العاصفة، لأنه ينبع من المصدر ذاته. هذا السلام ليس مكافأة مؤجلة، بل هو متاح ومقدم لك الآن؛ إن طلبته بإيمان حقيقي من كل قلبك، نلته واختبرت نعمته، وإن رحت تبحث عنه في سراب الوعود البشرية، ستبقى تدور في حلقة مفرغة من القلق والخوف على المستقبل. في وسط هذا العالم المضطرب، ندعوك أن تتوقف قليلاً عن الركض وراء السراب، وتلتفت إلى رئيس السلام، وتفتح له قلبك ليملك عليه، فتنال الحرية والهدوء اللذين طالما بحثت عنهما.
