
وتكون الرياسةُ على كتفه
المسيحُ رئيسٌ ورأسٌ
«لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ.» (إشعياء ٩: ٦)
لم يأتِ المسيح إلى أرضنا باحثًا عن مكانة تضيف له قيمة أو ترفع من شأنه، بل وُلد المسيح ليكون رئيسًا من أجلنا. نعم. لقد كنا نفتقد القيمة والمكانة والمعنى، لذلك كان لا بد أن تكون الرياسة على كتفه.
فهو كما قال بولس في رسالته إلى مؤمني كولوسِّي «فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ.» (كولوسِّي ١: ١٦).
ويستكمل بولس حديثه في الرسالة نفسها عن المسيح رأس الكنيسة، فيقول في الأصحاح الثاني: «فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا. وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ.» (كولوسِّي ٢: ٩-١٠). الاسم اليوناني «رياسة» المستخدم هنا يُنطق “أرخي” Arche ويعني (أصل – بداية – سُلطة – حُكم). نعم، فالمسيح هو أصل كل شيء، هو بادئ كل شيء، هو السُّلطة الأولى والمُطلقة لكل شيء، هو الحاكم المُطلق في الكنيسة وفي الخليقة. وُلد ليكون رأسًا، ليكون رئيسًا.
سأله بيلاطس يوم محاكمته سؤالًا من جهة هويته: ﴿فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي.»﴾ (يوحنا ١٨: ٣٧). كانت إجابة الرب له كل المجد: «لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا». لم يكن المسيح يبحث عن المكانة التي تنقصه، بل كان يبحث عما ينقصنا نحن من مكانة؛ فبسقوط الإنسان ودخول الخطية فقد الإنسان كل ما كان له من سلطان ورياسة، بل صار محكومًا فيه من إبليس وأصبح تحت سلطانه وسطوته. لذلك فالمسيح، كما قال بولس في رسالته إلى مؤمني فيلبي: «الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا ِللهِ.» (فيلبي ٢: ٦) لذلك جاء المسيح رئيسًا ليجعل الخليقة الجديدة، التي هو رأسها، في المكانة التي يجب أن تكون فيها من البداية. مبارك الله الذي جعلنا ملوكًا وكهنة لله.
ولرئاسة المسيح الكثير من الصور في كلمة الله. فلنُلقِ نظرة على هذه السباعية عن رئاسة المسيح:
أولا – رئيس الحياة (أعمال ١٥:٣)
«وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ.» (أعمال الرسل ٣: ١٥)
المسيح له كل المجد هو رئيس الحياة، بل هو أصل الحياة ومُنشأُها. وبسقوط الإنسان دخل الموت إلى العالم من أوسع الأبواب، وساد على الإنسان كل من الموت الروحي (الانفصال عن محضر الله)، والموت الجسدي (الانفصال النهائي والأبدي عن الله في الجحيم). ونتيجة لذلك فقد الإنسان الحياة ومعناها وقيمتها، وصار يحيا عبدًا ذليلًا لإبليس وللخطية.
لكن جاء المسيح رئيسًا للحياة الجديدة، جاء بملء الحياة. فيوحنا يقول عنه في إنجيله: «فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ» (يوحنا ١: ٤). نعم، لهذا جاء المسيح ليكون لنا الحياة «السَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ.» (يوحنا ١٠: ١٠). والحياة التي لنا في المسيح تُقرأ باليونانية «زوي» Zoe ومعناها: الحياة في كمالها وملئها من الناحية الروحية والجسدية التي جاء بها المسيح اللوجوس في جسده، والتي ستكتمل بعد القيامة بجسد ممجد يعيش إلى الأبد. مجدًا للرب فلقد أتى المسيح بالمعنى الحقيقي للحياة، إلى العالم، فهو رئيس الحياة.
ثانيا – رئيس السلام (إشعياء ٦:٩)
يذكر إشعياء في نبوته عبارة «رئيس السلام» وفي العهد الجديد يُذكر عن الرب له كل المجد أربع مرات أنه «إله السلام»، وجميعها جاءت في رسائل بولس. ومعنى رئيس أو إله السلام جاء في العهدين بمعنى «الرب الذي قام بتصحيح علاقته بالإنسان، وأرجع الإنسان إلى حالة السلام القلبي الداخلي.»
كانت الخطية قد سببت للإنسان زعزعة وعدم استقرار وحيرة وخوف، ونتيجة لذلك فقدَ الإنسان متعة الحياة المملؤة بالراحة والسكون القلبي الداخلي. ثم جاء المسيح رئيسًا للسلام وبعهدٍ للسلام كان قد أسسه مع شعبه في العهد القديم «فَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ، وَالآكَامَ تَتَزَعْزَعُ، أَمَّا إِحْسَانِي فَلاَ يَزُولُ عَنْكِ، وَعَهْدُ سَلاَمِي لاَ يَتَزَعْزَعُ، قَالَ رَاحِمُكِ الرَّبُّ.» (إشعياء ٥٤: ١٠) لكن شعب إسرائيل نقض هذا العهد وظل في تشتت وخوف وارتعاب بدلًا من الاحتماء بسلامه واطمئنانه.
قال الرب له كل المجد في إنجيل يوحنا: «سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.» (يوحنا ١٤: ٢٧). ليس لنا أن نضطرب أو نرهب من أي شيء، فالمسيح له كل المجد صار سلامنا «لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ.» (أفسس ٢: ١٤). فهذا السلام قد كلفه في الصليب ثمنًا باهظًا «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.» (إشعياء ٥٣: ٥).
ثالثا – رئيس الخلاص (عبرانيين ١٠:٢)
«لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ.» (العبرانيين ٢: ١٠). «فَلَمَّا قَصَدَ اللهُ، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَبِهِ كُلُّ شَيْءٍ، أَنْ يُحْضِرَ إِلَى الْمَجْدِ أَبْنَاءً كَثِيرِينَ، كَانَ مِنَ اللّائِقِ أَنْ يَجْعَلَ قَائِدَهُمْ إِلَى الْخَلاصِ مُؤَهَّلًا عَنْ طَرِيقِ الآلامِ.» (ترجمة الحياة). يا لَروعة هذا الإعلان! فلكي نُحضر كأبناء، كان على رئيس خلاصنا أن «يُكَمَّلَ» بِالآلاَمِ. الفعل اليوناني «يُكَمِّل» هنا يعني (جعل الشيء كاملًا – إنجازه وإتمامه بالكامل – إنهاء شيء والوصول إلى نهايته). لذلك لا غرابة أن الرب له كل المجد على خشبة الصليب صرخ قائلًا: «قد أُكمل»، فهو رئيسنا الذي أكمل كل شيء من أجلنا، فبآلامه هو صار لنا خلاصًا، وصار لنا رئيسًا وقائدًا.
علينا أن نُدرك حجم الآلام التي احتملها المسيح له كل المجد من أجلنا، لكي نُحضَر كأبناء للمجد. لم يكن الأمر سهلًا؛ فحجم الآلام كان رهيبًا. يقول داود بروح النبوة في مزمور ٢٢ «كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي.» (المزامير ٢٢: ١٤). لذلك يليق بالرب الذي تألم لأجلنا أن ندعوه رئيس خلاصنا.
رابعا – رئيس الإيمان (العبرانيين ٢:١٢)
«نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.» (العبرانيين ١٢: ٢) «مُتَطَلِّعِينَ دَائِمًا إِلَى يَسُوعَ: رَائِدِ إِيمَانِنَا وَمُكَمِّلِهِ. فَهُوَ قَدْ تَحَمَّلَ الْمَوْتَ صَلْبًا، هَازِئًا بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَارٍ، إِذْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى السُّرُورِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ، ثُمَّ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.» (ترجمة الحياة).
في الأصول اليونانية «رئيس» تأتي بمعنى (الشخص الذي يتقدم أو يتصدر أي شيء مُقدِّمًا مثالًا يُحتذى به). وتأتي أيضًا بمعني مؤلف Author، كما تأتي في ترجمة King James Bible أن يسوع “Author and finisher of faith”، أي إن الرب هو (مؤلف/رائد الإيمان ومتممه/مكمله).
في الرسالة إلى العبرانيين في الأصحاح الحادي عشر، بعدما استعرض الكاتب سحابة من الشهود، كما ندعوهم (أبطال الإيمان)، يصِل بنا إلى رئيس ورأس الإيمان ذاته وهو شخص المسيح له كل المجد، داعيًا إيانا ألا نضع عيوننا على أي شخص آخر سواه، فهو وحده الرئيس الذي قدم نموذجًا للإيمان برسالته وعمله وحياته.
في سباق الحياة يدفعنا الإيمان عند خط البداية ويساندنا في مضمار الركض ويكافئنا عند خط النهاية. لقد بدأ المسيح خدمته بالإيمان، وعاش حياته بالإيمان، وأنهى حياته بالإيمان بدون تذبذب، وبكل ثقة ويقين في أن الأبطال ينتظرهم مقامٌ سامٍ «فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.» كل هذا من أجلي ومن أجلك. تذكَّر أنه له كل المجد لم يكن محتاجًا إلى ذلك، فهو «الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ.» (١ تيموثاوس ٦: ١٦).
خامسا – رئيس كهنة (العبرانيين ١٤:٤)
«فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ.» (العبرانيين ٤: ١٤). «فَمَا دَامَ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَتِنَا الْعَظِيمُ الَّذِي ارْتَفَعَ مُجْتَازًا السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ دَائِمًا بِالاعْتِرَافِ بِهِ.» (ترجمة الحياة). يقدم كاتب الرسالة إلى العبرانيين تشجيعًا لمؤمنين من خلفية يهودية، يعانون الاضطهاد الشديد، لذلك يقدم لهم المسيح رئيسًا للكهنة عظيمًا قد اجتاز السماوات، وليس رئيس كهنة أقصى ما يستطيع فعله هو أن يجتاز الأقداس الأرضية المصنوعة بيد إنسان. إن أحد أوجه عظمة المسيح يتمثل في كونه رئيس كهنة متفرد، وليس كهارون وبنيه المحدودين في كهنوتهم وإمكانياتهم. لذلك يشجع كاتب الرسالة المؤمنينَ على التمسك بالاعتراف به رئيسًا للكهنة مقتدرًا، ولذلك أيضًا يستطرد ويقول في عدد ١٥ «لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.» (العبرانيين ٤: ١٥). مسيحُنا رئيس كهنة اجتاز السماوات بدم نفسه، ويقدر أن يرثي لضعفاتنا، وهو الأمر الذي لا يمكن لرئيس الكهنة الأرضي أن يفعله مهما بلغ من إمكانيات. هو رئيس من أجلنا.
سادسا – رئيس الرعاة (بطرس الأولى ٤:٥)
«وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى.» (١ بطرس ٥: ٤). المسيح رأس الكنيسة وهو راعيها ورأس رعاتها، ولا يوجد أعلى منه كونه قد اقتنى الكنيسة بدمه، فهي ملكه، بل وجسده.
في العهد القديم عبر إرميا عن أزمة رعاة إسرائيل بكلمات كلها مرارة: «لأَنَّ الرُّعَاةَ بَلُدُوا وَالرَّبَّ لَمْ يَطْلُبُوا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَمْ يَنْجَحُوا، وَكُلُّ رَعِيَّتِهِمْ تَبَدَّدَتْ.» (إرميا ١٠: ٢١). لكن جاء لنا راعٍ، بل رئيس رعاة قال عن نفسه إنه صالح (يوحنا ١١:١٠)، وليس هذا فقط لكن رئيس الرعاة مات عن الرعية لكي يحيوا فيما بعد لا لأنفسهم، بل لأجل رئيسهم الذي مات لأجلهم وقام.
كم من الرعاة بددوا رعيتهم وأهانوها وأرَّقوا حياتهم برعايتهم غير الحكيمة؟ بطول تاريخ إسرائيل جاء رعاة بددوا الرعية؛ يقول حزقيال بالروح القدس في كلمات نبوته واصفًا هذا الوضع المؤسف: «حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً وَصَارَتْ غَنَمِي مَأْكَلًا لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي.» (حزقيال ٣٤: ٨). ويستطرد بتهديد من الرب لهؤلاء الرعاة وبرجاء للرعية: «فَلِذلِكَ أَيُّهَا الرُّعَاةُ اسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هٰأَنٰذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ، وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلًا. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا. كَمَا يَفْتَقِدُ الرَّاعِي قَطِيعَهُ يَوْمَ يَكُونُ فِي وَسْطِ غَنَمِهِ الْمُشَتَّتَةِ، هكَذَا أَفْتَقِدُ غَنَمِي وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ وَالضَّبَابِ.» (حزقيال ٣٤: ٩-١٢). جاء المسيح رئيسًا للرعاة حانيًا، مترفقًا، محبًا لرعيته، مهتمًا بحالها.
سابعا – رئيس ملوك الأرض (الرؤيا ٥:١)
«وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ.» (رؤيا ١: ٥). لم يكتفِ المسيح بجعلنا كهنة لله، بل صيَّرَنا مُلوكًا أيضًا، وهذا واضح في العدد التالي مباشرة: «وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ.» (رؤيا ١: ٦). لا شك أن يوحنا يقصد ملوك الأرض العالميين والأرضيين، بل نحن المقصودون هنا. مبارك اسم الرب الذي جعلنا ملوكًا وكهنة (كهنوتًا ملوكيًّا) لله أبيه. صرنا أحرارًا من سلطان الخطية والموت إذ صرنا ملوكًا نحكم ولا يُحكم فينا. بل وسيأتي اليوم الذي سنملك فيه مع المسيح.

