روح عيد الميلاد

الدكتور القس لبيب ميخائيل

لست أعتقد أن هناك يومًا معيّنًا يمكن أن نقول بتأكيد أنه يوم ميلاد المسيح، فالمسيح لم يولد يوم ٢٥ ديسمبر كما يعتقد الغربيون، ولا يوم ٦ يناير كما يعتقد الأرمن، ولا يوم ٧ يناير كما يعتقد الشرقيون، لكنه وُلد في يوم لم يشأ الوحي أن يكشف لنا عن اسمه ولا عن الشهر الذي وقع فيه، ولو قصد الرب أن يعيد المسيحيون عيد الميلاد لحدّد لنا ميعاده في كلمته كما حدد للشعب القديم المواسم والأعياد، ففي سفر اللاويين نقرأ الكلمات: “هذِهِ مَوَاسِمُ الرَّبِّ، الْمَحَافِلُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي تُنَادُونَ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا: فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِصْحٌ لِلرَّبِّ. وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ عِيدُ الْفَطِيرِ لِلرَّبِّ. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا.” (لاويين 4:23-6)

من هذه العبارات نرى أن الرب حدّّد بالضبط وقت عيد الفصح بالشهر واليوم والساعة التي يأكلون فيها الفصح، ولكن ترْك الوحي لتحديد يوم ميلاد المسيح يؤكّد لنا أن قصد الله هو أن يرفع قلوب أولاده وبناته من الأمور المادية إلى الأمور الروحية كما قال بولس الرسول في كلماته إلى القديسين في كولوسي: «فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ.” (كولوسي 16:2)

لقد صارت الأعياد مجالًا للتدهور بكلّ معانيه، ففيها تُحْتسى الخمر بغير حساب، وفيها تتحطّم المثل الروحيّة العليا، وفيها تنشغل البيوت بالماديّات… وقلّما نجد من يدرك بالحقّ روح العيد.

وميلاد المسيح يحوي من المعاني الروحية الشيء الكثير، فروح عيد الميلاد هي:

روح التبشير بالخلاص

هذا واضح من كلمات البشير لوقا القائلة: «وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ.” (لوقا 8:2-11)

لقد كان يوم الميلاد هو يوم التبشير بالخلاص، التبشير بميلاد «المسيح الربّ]، التبشير بمجيء نسل المرأة الذي يسحق رأس الحيّة القديمة المدعو إبليس والشيطان. فهل نحن نحتفل بعيد الميلاد بهذه الروح؟ هل نجعل من عيد الميلاد يومًا تبشيريًّا حافلًا نرسل فيه الكتاب المقدس، والنبذ الخلاصيّة، والمجلّات الروحيّة البانية للآخرين؟ ليتما نفعل لنكون فعلًا في روح عيد الميلاد.

روح الترنيم والتسبيح

نجد هذا في الكلمات: “وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ».” (لوقا 13:2-14)

هكذا كان اليوم الأول للميلاد يوم تسبيح لله، ويوم تمجيد لاسمه العظيم، وليس في قدرتنا أن نكرّر هذه الذكرى المجيدة إلّا بطاعة كلمات بولس القائلة: “وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ، مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ.” (أفسس 18:5-19)

فهل امتلأنا بالروح القدس؟ هل أعطَيْنا للروح القدس الحريّة للعمل بنا وللعمل فينا؟

هل تركنا للروح القدس الجال لاستخدامنا؟ إنه عندئذ سيملأ أفواهنا ترنيمًا وتسبيحًا؛ عندئذ فقط نكون في روح التسبيح – روح عيد الميلاد!

روح التواضع والتضحية

أجل، هذا ما نراه في كلمات البشير لوقا: “وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ.” (لوقا 12:2) من هو هذا الطفل المقمَّط في مذود؟ إنه ذاك الذي رآه يوحنا في رؤياه وكتب عنه قائلًا: “وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ».” (رؤيا 16:19) لماذا إذن هذا التواضع وهذه التضحية الكبرى؟ يجيب بولس قائلًا: “فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ.” (٢كورنثوس 9:8)

إن روح عيد الميلاد هي روح التواضع الاختياري، والتضحية الحقيقيّة لأجل الآخرين.

روح العطاء السخي

يظهر هذا العطاء في المجوس الذين “لَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». … وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا.” (متى 1:2-2 و11)

لقد كانت عطايا المجوس وما زالت دافعًا لنا أن نعطى بسخاء لفادينا، وملكنا، وربّنا. لقد أعطى المجوس المسيح الذهب، واللبان والمرّ.

الذهب معدن نفيس وثمين، وهو رمز للمسيح الملك. واللبان كان يقدّم في الهيكل اليهودي مع البخور الصاعد إلى اللّٰه وهو رمز المسيح الكاهن. والمر يعني الانسحاق والألم والرائحة الذكية وهو رمز المسيح الفادي.

وتقديم هذه الهدايا يعلّمنا كيف نقدّم باسم المسيح، ولاسمه أجمل وأسخى العطايا.

فإذا تعلّمنا أن روح عيد الميلاد هي روح التبشير بالخلاص، وروح الترنيم والتسبيح، وروح التواضع والتضحية، وروح العطاء السخي، وطلبنا من الرب أن يملأنا بروحه صار كلّ يوم من أيامنا عيد ميلاد جديد.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *