
د ق عصام رعد
تحتفلُ الطوائفُ المسيحيّة هذه الأيام بذكرى قيامةِ المسيح المجيدة إذ غلبَ الموتَ بالموت، وأبادَ ذاكَ الذي له سلطانُ الموت أي إبليس. والآن، نحن الذين اختبرْنا المسيح نحتفلُ بالنُّصرة العظيمة هذه لأنَّه أقامَنا معه وأجلسَنا في السماويَّات، متَّحدينَ معه بشبهِ موتِه وقيامتِه. فنحن إذنْ شركاء بهذه القيامة. وهذا هو الفرقُ بين المسيحي بالاسم والمسيحي الحقيقيّ الذي اختبرَ غسْلَ الميلادِ الثاني وتجديدِ الروح القدس.
يدوِّن لنا البشيرُ متّى هذا الحدَثَ العظيم فيقول: “وبعدَ السبت، عندَ فجرِ أوّلِ الأسبوع، جاءتْ مريمُ المجدليَّة ومريمُ الأخرى لِتنظُرا القبر. وإذا زلزلةٌ عظيمةٌ حدثَتْ، لأنَّ ملاكَ الرب نزَل من السماء وجاءَ ودحرجَ الحجرَ عنِ الباب، وجلسَ عليه. وكان منظرُه كالبرْق، ولباسُه أبيضَ كالثَّلج. فَمِنْ خوفِه ارتعدَ الحرّاسُ وصاروا كأموات. فأجابَ الملاكُ وقال للمرأتَيْن: “لا تخافا أنتُما، فإنِّي أعلَمُ أنَّكما تطلبانِ يسوعَ المصلوب. ليسَ هو هَهُنا، لأنَّه قامَ كما قال!” (1:28-6). وفي إنجيل يوحنا نجدُ وعدَ المسيح لتلاميذه: “لا أتركُكُم يتامى. إنِّي آتي إليكم. بعدَ قليل لا يَراني العالم أيضًا، وأمَّا أنتم فترَوْنَنِي. إنِّي أنا حيٌّ فأنتمْ ستَحْيَوْن.” (18:14-19)
حين نعيشُ حياةَ المسيح على الأرض بأفعالِها الثلاثة كما توصينا كلمةُ الله،
أولًا: نحيا به ضمان الحياة الأبدية
لا توجدُ حياةٌ بدون الربّ يسوع. ومعنى أن نحيا بهِ، هو أن نحيَا ببرِّه. لكنْ علينا أوّلًا أنْ نُدركَ أنَّنا أمواتٌ بالذنوبِ والخطايا. هل تعلم أنَّه من أصعبِ مآسي الحياة هو حينَ يولَدُ الطفلُ ساكنًا لا حياةَ فيه! أمَّا الإنسانُ الذي يولد حيًّا بيولوجيًّا وعقليًّا، فهو ميِّتٌ روحيًّا. ألمْ يَقُلِ اللهُ لآدم إنْ أكلْتَ من الشجرة موتًا تموت! لكنَّه مع ذلك عصَى أمرَه وأكلَ مع امرأته. عندها لم يموتا جسديًّا بل ماتا روحيًّا، أي انفصلا عن محبَّة الله ونعمته العظيمة. ولهذا أتى المسيح لكي يحملَ لعنةَ الموت عنَّا، ويموتَ عن خطايانا على الصليب لأنّه بالخطية دخَل الموتُ إلى العالم. ولا نقدر نحن أن نحيا إلَّا بحياةِ المسيح. ولكي نحيا هذه الحياة علينا أن نولدَ ولادةً ثانيةً روحيًّا. يقول: “بهذا أُظهِرَتْ محبّةُ الله فينا: أنَّ اللهَ قد أرسلَ ابنَه الوحيد إلى العالم لكي نحيا بهِ.” (1يوحنا 9:4) هذا هو الامتيازُ العظيم حين نولدُ من جديد إذ يسكنُ فينا روحُ المسيح وتصبح لدينا إمكانيّةُ أن نحيا حياةَ المسيح على الأرض. لأن بالولادةِ الثانية نحصل على هبةِ الحياة. “مَنْ له الابنُ فلهُ الحياة.” (1يوحنا 12:5) وأيضًا: “لأنَّنا به نحيا ونتحرَّك ونوجد.” (أعمال 28:17)
حين يَفرَغُ الهاتف المحمول من البطارية ألَا يصبحُ عندها بلا فائدة؟ إذ يغدو قطعةً من الحديد وينتفي التواصُلُ مع العالم. هكذا هو الإنسان إذا لم يكنْ له روحُ المسيح أي روحُ الحياة. لكن حين تسلِّم للربَّ خطاياك يمنحُك حياةً إلى الأبد. ففي الصليب والقبر الفارغ فَرّغ الموتَ من سلطانه لأنّ للموت سلطانًا على الإنسان: “لكي يُبيد بالموت ذاكَ الذي له سلطانُ الموت، أي إبليس.” (عبرانيين 14:2ب) فالإنسان عبرَ العصور يواجهُ حتميَّةَ الموت إذ: “وُضِعَ للناس أن يموتوا مرَّة”. (عبرانيين 27:9) لكنْ بالمسيح حصل استثناءٌ لأنَّ الموتَ أصبح جسرَ عبورٍ إلى الحياة الأبدية. أوَلَم يقُلْ بولس: “ليَ الحياةُ هي المسيح والموتُ هو ربحٌ”. (فيلبي 21:1) وإذ كنّا أمواتًا أحيانا معهُ وأقامَنا معه وأجلَسَنا معه.
كتبَ المُصلِحُ الإنجيلي مارتن لوثر وقال: “يقفُ العقلُ مرتبكًا أمامَ الصليب كيما يتبرَّرَ الإنسانُ بالإيمان وحده، وليس بالعقل… لا نجدُ السمُوَّ الإلهي في الأعالي في السماء، وإنَّما في الأسفل في خِزْيِ الصَّليب. ولا يبدأُ الإيمانُ المسيحيُّ من أعلى القمّة، لكنْ من أسفلِ القَعْر. فلا أحدَ يستطيعُ تجاوُزَ الصَّليب ليكتشفَ اللهَ المجرَّد.” فالصَّليبُ هو الكاميرا الإلهية التي نرى من خلالِها خطّةَ الله الرائعة ولا نجدُ السُّموَّ الإلهي في الأعالي وإنَّما في خِزيِ الصَّليب. وبه يحصلُ التبريرُ وكذا التبنِّي بالإيمان. ونرى كيف نحيا به فعلًا في قصّة اللِّصِّ التائب الذي سمع كلماتِ المسيح وهو يغفرُ لأعدائِه. فصَرخ إلى الرَّبّ: “اذكُرْني يا ربُّ متى جئْتَ في ملكوتِك.” (لوقا 42:23) اعترفَ بخطاياه ولم يضيّعْ فرصتَه الأخيرة، إذ رأى فيه المخلّص والملكَ الآتي الذي سيأتي ليدينَ الأحياءَ والأموات – تعال إليهِ لتختبرَ خلاصَه وضمانَ الحياة الأبدية.
وفي القبر الفارغ كسرَ الرَّبُّ شوكةَ الخطية. فالإنسانُ يتحكَّمُ فيه الموت، لذا يحاولُ جاهدًا أن يُطيلَ عمرَه على الأرض.
وضع الدكتور جيمس أليسون في قلبه أن يحارب السرطان بعد أن توفِّيتْ والدتُه وهو في العاشرة من عمره، وكذلك أخوه وعمُّه بنفس المرض، وضعَ هذا الطبيب في قلبه أن يحاربَ السرطان. وبعد جهادٍ طويل وعملٍ شاق استطاع أن يكتشفَ دواءً يُطيلُ عمرَ الإنسان المُصاب ببعضِ أنواع السرطان لـ 5 سنوات. وحصلَ بالتالي على جائزةِ نوبل. قارِن هذا يا أخي بهبَةِ الحياةِ الأبدية المجَّانية التي يقدّم لنا الربّ يسوع بموته ودم صليبه. إنَّ العالمَ الذي نعيشُ فيه ملآنٌ بالحروب وسِباقُ التسلُّح بينَ الدُّول… إنه يصنعُ آلاتِ الموت ويَزيدُ من الديونِ المتراكمة. أمَّا إلهُ السلامِ والحياة فقد أتى لينقُلَكَ إلى مملكةٍ أخرى، ففي الصليب والقبرِ الفارغ غلَبَ إلهُ الحياةِ الموتَ بموتِه وقيامتِه.
ثانيًا: نحيا له بالتقديس والانتصارات الروحيّة
لا نقدر أن نختبرَ قوّةَ قيامتِه إلَّا بأن نحيا له. إذ ليسَ هناكَ متعةٌ حقيقيّة إلَّا إذا عشْنا للربّ. كتبَ بولس: “وهو ماتَ لأجلِ الجميع كي يعيشَ الأحياءُ فيما بعدُ لا لأنفسِهم، بل للَّذي ماتَ لأجلِهم وقام.” (2كورنثوس 15:5) على عكس ما تُروِّج لهُ بعضُ الكنائس هنا في أميركا حين تنادي بعقيدةِ الازدهار والتنعُّم والبحبوحة. أما عروسُ النشيد فتقول: “أنا لحبيبي وحبيبي لي.” أي لن تعيش لنفسِها فيما بعد. فمعَ المسيح الحياةُ الفيّاضة تنبعُ من الداخل وتختبرُ فيها قوّةَ قيامتِه. “لأنَّنا إنْ عشنا فللرَّبِّ نعيش، وإنْ مُتنا فللربِّ نموت. فإنْ عشنا وإن متنا فللرّبّ نحن.” (رومية 8:14)
عندما سُئل جورج مولر عن سرِّ القوّة في حياته أجاب: “جاء هناكَ يومٌ مُتُّ فيه لجورج مولر، لآرائِه، وإرادتِه، وأذواقِه. ومُتُّ أيضًا للعالم سواءً في موافقتِه معي أو لَوْمِه لي. ومنذُ ذلك الحين عِشتُ للمسيح لكي أكونَ مقبولًا من الله.” هذا هو لقاءُ الحبِّ مع الربِّ يسوع. يقول الرسول بولس: “أم لستمْ تعلَمون أنَّ جسدَكم هو هيكلٌ للرّوح القدس الذي فيكم، الذي لكُم من الله، وأنَّكم لستُمْ لأنفسِكم؟” (1كورنثوس 19:6)
ثالثًا: نحيا معه فيضَ الأفراحِ السماوية
يقولُ لك: “لا تخفْ لأنِّي معك… لأنِّي أنا الربُّ إلهُك الممسِكُ بيمينِك، القائلُ لكَ: لا تخفْ. أنا أعينُك.” (إشعياء 10:41 و13) أجلْ هو معنا في كلِّ حين فَلْنَعِشْ معيَّة الله وفي الشركة اليوميّةِ معه. يقول صاحب المزمور: “مَنْ لي في السماء؟ ومعكَ لا أريدُ شيئًا في الأرض.” (25:73) لا تستصغِرْ نفسَك وتنظرْ إلى ضعفاتِك. لأنَّه هو” أقامَنا معه، وأجلَسنا معه في السماويَّات في المسيحِ يسوع.” (أفسس 6:2) فحافِظْ يا أخي على معيَّة الله في حياتك ومارسْها دائمًا.
إذن، يجبْ أن تكونَ أنتَ له، وأنتَ به، وأنتَ معه. ذهبَتْ مريمُ إلى القبر لتبكي لكنَّها تعزَّت لأنَّه قامَ وهو حيٌّ. والربُّ نفسُه ظهرَ للتلاميذ وأراهُم يديهِ وجنبَه، ففرِح التلاميذ إذ رأوا الربّ. نعم، هو يُعطي إيمانًا للمشكِّكين كتوما، وسلامًا للخائفين ورجاءً لليائسين. يسوعُ معكَ في الطريق كما كانَ مع تلميذَي عمواس ولما انفتحَتْ أعيُنُهما عرفاه عندَ كسرِ الخبز. فاسمح للربِّ أن يعملَ في حياتِك زلزلةً عظيمة لتعيشَ حياةَ القيامةِ والنُّصرة معه.
