صورةُ اللهِ غيرِ المَنظورْ

الأخت أدما حبيبي

انتظروهُ قائدًا رائدًا، رئيسًا مقدامًا، ومؤثّرًا كبيرًا وصاحبَ رؤيا أرضيّة. تنبَّأ عنه الأنبياءُ فتوقَّعوه منقِذًا فَذًّا من يد الرومان ومحرِّرًا لهم من قسوةِ الذُّلِّ والهَوان. كما ظنُّوه ملِكًا مقتدِرًا سيملِكُ عليهم وسيحكُم أرضَهم بالعدلِ وسيبعثُ في قلوبهم الأمل والسلام بعيدًا عن الطغاة. هكذا تخيّلوه وهكذا أرادوه. وترقَّبوا يومَ مجيئه بحسب رؤيتِهم هم في تحقيق أحلامِهم الأرضيَّة.

لكنْ أُغفِلَتْ عن الكثيرين من اليهود تلكَ النبوّاتُ التي تشيرُ إلى أنَّ هذا الملكَ المنتظر لن يملِكَ على أرضِ البشر بل في قلوبهم وسيحوِّلُها من قلوبٍ حجريّةٍ إلى قلوبٍ لحميَّة، ومن عظامٍ ميّتة إلى أجسادٍ حيّة حسَّاسة بنفخةٍ من روحه هو. هذا الملك لَسوف يُنعش النفوسَ من الداخل إذ يُظهِر حُبًّا واهتمامًا واحدًا لكلِّ فردٍ يلتقيهِ، ابتداءً من خراف بيت إسرائيل الضالّة، وكلّ من يأتي إليه ويقبلُه بغضِّ النَّظر عن خلفيَّته وعِرْقه ولونِه في هذه البشرية. لهذا لم يتعرَّفْ عليه الكثيرون من شعبه آنذاك، بل القِلّةُ القليلة هي مَن تبعَتْه، والتصقتْ به، بعد أن لبُّوا نداءه ودعوتَه لهم.

أما رؤساءُ الدين المحافظون والحريصون على كلِّ ما جاء في الشريعة والناموس، والمختبئونَ وراءَ أقنعتِهم التي أخفتْ عن الناس حقيقتَهم، والذين كانوا يمشون بينَ الناس بالطيالسة ويرغَبون المتَّكآت الأولى في الولائم، راحوا يراقبون هذا المعلِّمَ من بعيد ويوجّهون إليه أصابعَ الاتِّهام تارةً، وأسئلةً غريبةً مريبةً تارةً أخرى عند اقترابِهم منه، عساهُم يصطادونَه بكلمة محاولينَ بذلك إيقاعَهُ. أمَّا هو فكان يعلَمُ خُبثَهم ورياءَهم! ولم يفهموا ما هو “إنَّه يريدُ الحقَّ والرحمةَ والإيمان” أي قلبًا وضيعًا وليس مظهرًا برَّاقًا كالقبور المبيَّضة “لكنَّها من داخل مملوءةٌ عظامَ أموات!” (متى 23)

نعم، لم يدركوا مَن هو يسوع المسيح هذا الذي دخَل مجمَعَهم فبُهتَ من تعليمه وحكمتِه وقواته التي صنع، شلّةٌ منهم حتى تساءلوا مستغربين ومندهشين: “من أينَ لهذا هذه الحكمةُ والقوّات؟ أليسَ هذا ابنَ النَّجار؟ أليستْ أمُّه تُدعى مريم؟ فَمِن أينَ لهذا هذه كلُّها؟ (متى 54:13-56)

خالوه مرةً خيالاً آتيًا إليهم ماشيًا على الماء. نعم، حتى تلاميذُه أو تابعوه خافوا وهم في عرْض البحر المتلاطِم الأمواج. وحين أعلمَهم مَن هو قائلاً لهم: تشجّعوا أنا هو لا تخافوا. قال بطرس التلميذ المندفع والمتسرِّع: إن كنتَ أنت هو فمُرْني أن آتي إليك على الماء. فقال له تعال: فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء ليأتي إلى يسوع. ولكن لمّا رأى الريحَ مضادّة خاف. وإذ ابتدأ يغرقُ صرخ قائلاً: يا رب نجِّني. ففي الحال مدَّ يسوعُ يدَه وأمسكَ به وقال: يا قليلَ الإيمان لماذا شككْتَ؟ ولمَّا دخلا السفينة سكنَتِ الريح.” (متى 26:14-32)

هل ستتَّسِعُ الكتبُ يا تُرى ونحن نحاولُ وصفَه مَن هو؟ هو مَن أعلنتِ السماءُ بمجيئه حين آنَ الأوان وحلَّ مِلءُ الزَّمان. فأرسلَ اللهُ ملاكَه ليُنبئَ العذراءَ المباركة بهذا الخبر السار والذي تلقَّتْه بكلِّ خضوعٍ ووَقار. إذ أعلمَها الملاكُ قائلاً: “ها أنتِ ستَحبلين وتلِدينَ ابنًا وتسمّينَه يسوع. هذا يكون عظيمًا، وابنَ العليِّ يُدعى، ويعطيهِ الربُّ الإله كرسيَّ داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكونُ لمُلْكِه نهاية.” فقالت مريم للملاك: “كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً؟” فأجاب الملاك وقال لها: “الروحُ القدس يحلُّ عليكِ، وقوّةُ العليِّ تظلِّلُكِ، فلذلك أيضًا القدّوسُ المولود منكِ يُدعى ابنَ الله.” (لوقا 31:1-35)

وعند ولادةِ يسوع أرسلَ اللهُ الملاكَ إلى رعاةٍ بُسطاء متبدّين يحرسون قطعانَهم وبشَّرهم قائلاً: “وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّصٌ هو المسيحُ الربّ. وهذه لكمُ العلامةُ: تجدون طفلًا مقمَّطًا مُضجعًا في مذودٍ”. وظهرَ بغتةً مع الملاك جمهورٌ من الجند السماويّ مسبِّحين الله وقائلين: “المجدُ لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرّة.” (لوقا 11:2-14)

ففي بيتَ لحم تجسَّد اللاهوت وسكَن الله مع الناس. وفوق بيتٍ صغير في بيتَ لحم حطَّ النجمُ اللَّامع الذي ظهر في قُبّة السماء من حين مولده. وكان الدليلَ المرشد لعلماءِ الفلك الذين أتوا من الشرق ليتحقَّقوا من ولادةِ ملكٍ ليس كباقي الملوك. وهناك قدَّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومُرًّا تشيرُ كلُّها إلى مَن هو: فالذهب للملك، واللُّبان للكاهن، والمُرّ لآلامه وموته.

وأتى الملك الذي وُلد في المذود الحقير، وفي طفولته أضحى لاجئًا مشرَّدًا حين هرب به والداه يوسف ومريم إلى مصر خوفًا من هيرودس الملك القاسي الذي خاف على عرشه وأراد قتلَه. ولم يرجعْ من مصر مع والديه إلَّا بعد أن مات هيرودس فأتوا جميعًا وعاشوا في مدينة الناصرة حيث ترعرعَ وتربَّى. وحين بدأَ يسوع خدمتَه راحَ يكرز ببشارةِ الملكوت ويشفي كلَّ مرض وكلَّ ضعفٍ في الشعب. حتى إنَّه دخلَ المجمع يوم السبت وفتحَ السِّفْر ووجَد الموضِع الذي كان مكتوبًا فيه: “روحُ الربِّ عليَّ، لأنّه مسحني لأبشِّرَ المساكين، أرسلني لأشفيَ المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعُمْيِ بالبصر وأُرسل المنسحقين في الحرية، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ.” ثم طوى السفر… فابتدأ يقول لهم: إنَّه اليوم قد تمَّ هذا المكتوب في مسامعكم.” (لوقا 17:4-22)

فسَّر الربّ يسوع لنيقوديموس معلمِ الناموس عن الولادة من فوق، وكيف يمكن للإنسان أن يرى ملكوت الله بقوله: “الحقَّ الحقَّ أقول لك: إنْ كانَ أحدٌ لا يولَدُ من فوق لا يقدر أن يرى ملكوتَ الله”. تساءل نيقوديموس: “كيف يمكن للإنسان أن يولَد وهو شيخ؟” أجابه يسوع: “إن كان أحدٌ لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح.” (يوحنا 3:3-6) ملكوتُه ملكوتٌ روحي إذ يملِك على القلب فيتغيَّر الكيانُ كلّه. بدأ بمجيئه الأول في قلب كلِّ مَنْ يَقبَل دعوتَه وسيكون مع قديسيه المؤمنين إلى الأبد في ملكوتٍ لا يزول ولا ينقرض في حياة أبدية دائمة.

هذا هو الذي وصفَه بولس بقوله: “الذي هو صورةُ الله غيرِ المنظور، بكرُ كلِّ خليقة. فإنَّه فيه خُلق الكلّ: ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى… الكلّ به وله قد خُلق… وهو رأس الجسد: الكنيسة… لأنه فيه سُرَّ أن يحلَّ كلُّ الملء، وأن يصالح الكلَّ لنفسه، عاملاً الصُّلح بدمِ صليبه”. (كولوسي 15:1-20)

سأل مرة تلاميذه قائًلا: “مَن يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟” فقالوا: قوم: يوحنا المعمدان، وآخرون: إيليا… قال لهم: “وأنتم، من تقولون إني أنا؟” فأجاب سمعان بطرس وقال: [أنت هو المسيح ابن الله الحي!] فأجاب يسوع وقال له: [طوبى لك يا سمعان بن يونا، إنَّ لحمًا ودمًا لم يُعْلَنْ لك، لكنّ أبي الذي في السماوات.] (متى 13:16-17)

لا زلتُ أذكُر تلكَ اللَّوحةَ الجميلة التي كانت معلَّقةً على الحائط في مكتبنا في مونتي كارلو، حين كنَّا أنا وزوجي نخدمُ في الثمانينات والتسعينات مع إذاعة حولَ العالم. إذ حوَتْ جميعَ ألقابِ وأسماءِ المسيح. وكلُّ واحدةٍ من الأسماء ملوَّنةٌ بأحدِ ألوانِ الطَّيْف. والآن، ماذا تظنُّ يا قارئي في مَن هو المسيح؟ أإبنُ النجار يوسف؟ أم المعلِّم؟ كلُّ مَن عرفَه واختبرَ مُلْكَه في حياته يقدرُ أن ينضمَّ إلى معشر المؤمنين الذين أنشدوا منذُ القديم هذه الكلمات الرائعة من ترنيمة O Come, All Ye Faithful والتي نظمَها باللغة العربية الشاعرُ الفلسطيني إلياس مَرمورة إذ قالوا:

    هلمَّ بنا معشرَ المؤمنين، إلى بيتَ لحمٍ نَسِرْ مُنشدينْ                    هناكَ لدى سيّدِ العالمين، لِنسجُدْ بحبٍّ له عابدينْ

مليكُ الملائكةِ السَّرمدي، مِنَ العرشِ جاءَ إلى المذودِ                  بربِّ المحبةِ فَـلْنَقْتَـدِ، ونسجدْ بحبٍّ له عابدينْ

 هو ابنُ الإلهِ القديرُ الأحَد، وكِلْمتُه قد أتى في الجَسدْ                   ومَن مُلْكُه ثابتٌ للأبد، لنسجدْ بحبٍّ لهُ عابدينْ.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *