
بركات الطاعة للربّ لا تُعَدّ ولا تُحصى. لقد كان قصد الله من البداية البركة لآدم وكلّ الخليقة “أثمِروا واكثُروا واملأوا الأرض”. وبعد ذلك نرى بركة الرضى الإلهي في حياة هابيل وبركة شهادة الله عنه أنّه بارّ، لأنّه آمن بأنّ التكفير عن الخطيّة هو في تقديم كِباش غنم محرقات لله. وهناك شخصيّات عظيمة في كلّ الكتاب نالت بركات الطاعة، وللاختصار سأذكر بعضًا منها، وسأترك للقارئ الكريم أن يبحث عنها في مناجم كلمة الله التي لا تنضب.
فرح إطاعة الإنجيل: إنّ أوّل فرح يحتاجه الإنسان هو أن يعرف الله معرفة شخصيّة، أي أن يطيع الأخبار السارة ويؤمن أن الله أحبّه بموت المسيح على الصليب ويقبل فداءه وخلاصه. يقول الكتاب عن الوزير الحبشي الذي آمن بيسوع ابن الله المُخلّص الوحيد، أنه “ذهب في طريقه فرحًا”. ويقول الكتاب عن سجّان فيلبي أنه “تهلّل مع جميع بيته”.
عزيزي القارئ، كيف لا نفرح والرب يسوع نجّانا من الموت الأبدي؟ نعم، نفرح ونتهلّل لأننا نلنا حياة أبديّة ولا شيء من الدينونة علينا. قال الرسول بولس أمام جمهور كبير من السامعين: “إنّي أحسب نفسي سعيدًا”… لأنّه لم يكن معاندًا للرؤيا السماويّة بل قال للربّ يسوع: “يا ربّ، ماذا تريد أن أفعل؟”
يا أحبائي، ما أجمل المؤمن الذي يشهد له الله عن طاعته وفرحه بالربّ! لنأخذ إبراهيم أبا المؤمنين الذي شهد الله عن طاعته. فقد أعطاه الربّ بركة الحفظ والشبع ومعيّة الشركة معه والوعود لإسحاق، من أجل ماذا؟ يقول الرب: “من أجل أنّ إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يُحفظ لي: أوامري وفرائضي وشرائعي.” (تكوين ٥:٢٦) لننتبه أن هذا الكلام جاء قبل عهد الناموس… يا لها من شهادة رائعة! ويعود الربّ يسوع ليقدّم لنا شهادة عن إبراهيم “أبوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرِح”. (يوحنا ٥٦:٨) لقد أدرك إبراهيم بالإيمان بأن الربّ هو الذي يفدي الإنسان، ففرح إبراهيم وآمن بالربّ مُدَبِّر الخلاص، وبتوقيته سيأتي حمل الله وبدم نفسه يصنع فداء أبديًّا. يا لها من شهادة من الربّ نفسه عن المؤمن المُطيع! وهناك أيضًا فرح جماعيّ عندما يكون هناك طاعة جماعيّة للشعب. لقد أطاع الشعب الوصيّة والتعليمات بخصوص خروف الفصح (خروج ١٢) فخرجوا بسلام من أرض مصر، فماذا يقول الكتاب بخصوصهم؟ انتبه إلى هذه الكلمات: “فأخرج شعبه بابتهاجٍ، ومختاريه بترنُّم.” (مزمور ٤٣:١٠٥) عندما نطيع الربّ فهو بنفسه يملأنا بالبهجة والترنّم.
القرار الصحيح والفرح: عندما قال الربّ لزكّا الغنيّ جابي الضرائب: “ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك”، كيف كان التجاوب؟ يقول الكتاب: “فأسرع ونزل وقبله فرحًا.” نعم، فالقرار الصحيح يُدْخِل السرور للقلب. أما عدم الطاعة، فالعكس صحيح. عندما قال الربّ يسوع للشاب الغني: “… تعال اتبعني”، كيف كان تجاوبه؟ “فلمّا سمع الشاب الكلمة مضى حزينًا، لأنّه كان ذا أموال كثيرة.” (متى ١٦:١٩-٢٢) إذًا القرار الخاطئ (في عدم الطاعة) يجعل الحزن يمتلك النفس.
قارئي العزيز، كلّ يوم يمرّ علينا، نحن أمام قرارات كبيرة أو صغيرة، إمّا أن نطيع الرب طبقًا للمكتوب، أو لا نطيع، وعلى قدر قراراتنا المتّفقة مع كلمة الربّ هكذا يكون منسوب فرحنا.
التكريس: أيّ التخصيص، كلّ مؤمن يستطيع أن يقول: “أنا خاصّ للربّ”. ما أجمل هذا القول: “قد واعَدتَ الربّ اليوم أن يكون لك إلهًا، وأن تسلك في طرقه وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وتسمع لصوته.” (تثنية ١٧:٢٦)
إذا أخذت يومًا ما قرارًا باتّباع الربّ فهذا وعده لك: “وواعدك الرب اليوم أن تكون له شعبًا خاصًّا، كما قال لك، وتحفظ جميع وصاياه.” (تثنية ١٨:٢٦) لنلاحظ هنا أمرين مُهمّيْن ومُبهجين للقلب: الأول، نحن [شعب خاص] والكلمة تعني نحن “كنز عجيب” وتعني “مُلك خاصّ” وتعني أيضًا “كنز مُميَّز”. نحن كنز ثمين لملك الملوك وربّ الأرباب يسوع المسيح. ألا يجعلنا هذا نبتهج بالربّ ونشكره؟ والأمر الثاني المُشجّع هو قوله: “وتحفظ جميع وصاياه”. أي، أن بركة الطاعة هي قدرته الإلهيّة قد وهبت لنا كلّ التجهيزات اللازمة لكي نطيعه أكثر. عزيزي القارئ، تستطيع أن تقول “اليوم أنا كنزه العجيب”! اليوم أنا “مُلك خاص ليسوع”. نحن جنّة الربّ المُغلقة. لذا لنتصرّف وفقًا لما تعلنه كلمة الله.
أيّها المؤمنون، لقد سَلّمنا حياتنا للربّ يسوع منذ فترات مختلفة ليس فقط أنه خلّصنا من خطايانا، لكنّه أيضًا ربًّا وملكًا في قلوبنا. فمثلما هو يقول عنّا “كنزه الخاص” فماذا يكون تجاوبنا نحن؟ نخصِّص أنفسنا لكي نخدمه ونخدم إخوتنا القديسين بكلّ أمانة. ما أجمل عائلة إستفانوس المباركة التي ذكرها الرسول بولس، “وقد كَرَّسُوا أنفسهم لخدمة القدّيسين” (١كورنثوس ١٥:١٦ – ترجمة الحياة) والسؤال الذي يطرح نفسه: “هل عندنا برهان عملي يُثبت أنّنا نطيع الربّ في كلّ شيء؟ هل أستطيع أن أقول عن نفسي أنا مُكرّس للربّ؟
نوالنا للحكمة الإلهيّة: في نهاية الموعِظة على الجبل بيّن الرب يسوع الفارق بين من يعمل بوصاياه (أي يُطيعها) وبين من لا يعمل؛ فالذي يعمل هو إنسان عاقل (حكيم) والذي لا يعمل هو إنسان جاهل (متى ٢٤:٧-٢٧).
عزيزي القارئ، احذر من الجهل، أتمنّى من كلّ قلبي أنّنا جميعًا نشكر الرب يسوع كلّ يوم لأنّه خلّصنا من الجهل، هو لنا حكمة من الله، وفي صليبه حكمة الله. يصف الكتاب المقدّس حالتنا قبل الإيمان بالآتي: “لأنّنا كنّا نحن أيضًا قبلًا أغبياء، غير طائعين…” (تيطس ٣:٣) هل لاحظت أن الغباء مرتبط مع عدم الطاعة! ولكن عندما آمنّا خَتَمَنا بالروح القدس روح الحكمة، وصار لنا المسيح “حكمة” من الله.
التغيُّر إلى صورة المسيح: “هل فيكَ يَرَوْنَ يسوع؟” إنه شطر من أحد أبيات ترنيمة قديمة، وهي تشرح حقيقة هامّة جدًّا.
تطهير نفوسنا: “طهّروا نفوسكم في طاعة الحقّ بالروح للمحبّة الأخويّة العديمة الرياء، فأحبّوا بعضكم بعضًا من قلبٍ طاهرٍ بشدّة.” (١بطرس ٢٢:١) في هذه الآية نرى ترابطًا بين الطاعة والروح القدس والمحبّة التي تعمل على تطهيرنا وتنقيتنا لكي تكون محبّتنا حقيقيّة وطاهرة.
الطاعة تصنع أبطال الإيمان: “ففعل نوح حسب كلّ ما أمره به الرب. هكذا فعل.” (تكوين ٢٢:٦) عندما أعطى الله مواصفات الفلك لنوح، لم يبنِ نوح سفينة بمزاجه، ولكن بمواصفات وقياسات من عند الله. ومن جهة دخول الحيوانات إلى الفلك، فعل نوح بحسب أمر الربّ، فلم تكن هناك فوضى، ولم يكن هناك ذكر واحد مع عدّة إناث، بل ذكر واحد وأنثى واحدة، سبعة ذكور وسبع إناث للحيوانات الطاهرة. “ففعل نوح حسب كلِّ ما أمره به الرب.” (تكوين ٥:٧) ولذلك نجد اسم نوح في قائمة أبطال الإيمان لأجل طاعته الكاملة للرب.
وعندنا مثال آخر وهو إبراهيم في موضوع تقديم ابنه إسحاق. قال الله لإبراهيم: “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي.” (تكوين ١٨:٢٢) والكلمة “سمعت” تأتي بمعنى “أطعت”. وفي عبرانيين أصحاح ١١ وردت كلمة “بالإيمان” ٢٥ مرة. وإذا استبدلنا كلمة الإيمان بكلمتين (بالطاعة لله) وقرأنا النصّ مرة أخرى لوجدنا عدم تغيّر المعنى لأن الطاعة والإيمان كما ذكرنا وجهين لعملة واحدة. أرجو ألّا يظنّ القارئ أنني أريد أن استبدل كلمات في الكتاب المقدس، ولكنني أريد فقط أن أوضّح لك فكرة الترابط الوثيق بين الطاعة والإيمان والعكس صحيح؛ أي عدم الطاعة هو عدم إيمان – لذا لا نجد شاول بن قيس في أصحاح أبطال الإيمان، فقد كان يختلق ما لذّ وطاب من الأعذار لنفسه ليبرّر عدم طاعته (١صموئيل ١٥) فقال صموئيل: “هل مَسرّة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الربّ؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة”. ومثال آخر هو عن طاعة موسى لأمر الله، فأصبح أعظم قائد قاد شعب الله في البرّيّة. وأيضًا أطاع دانيال الله ولم يتنجّس بالوثنيّة، فسدَّ بالإيمان أفواه الأسود.
عدم الخوف من الاضطهاد الديني: كان نبوخذنصّر ملكًا عظيمًا على إمبراطوريّة بابل، وذات يوم قرّر أن يصنع تمثالًا من ذهب وأمر جميع الشعوب أن تأتي وتسجد للتمثال، ولكن كان هناك ثلاثة من الفتية الشجعان الذين قالوا “لا نسجد!” فلماذا انتصر الفتية الثلاثة على خطيّة السجود لتمثال الذهب؟ (دانيال ١٨:٣) ذلك لأنهم أطاعوا الوصيّة في (خروج ١:٢٠-٥). “ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس” (أع ٢٩:٥).
أطاع الربّ يسوع المسيح حتى الموت موت الصليب، فأصبح رئيس خلاصنا وقائدنا المنتصر الذي انتصر بالقيامة على الموت والشيطان ونظام العالم الفاسد، ونحن نمشي في موكب نصرته كلّ حين. هلّلويا!

